الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

77

مناهل العرفان في علوم القرآن

أما إعجاز القرآن من ناحية الأسرار البلاغية فلا يقدح فيه أن جمهرة الناس اليوم لا يدركونها ولا يتذوّقونها ، فإن ذلك لا يرجع إلى خلوّ القرآن من أسرار البلاغة والبيان ، إنما يرجع إلى جهل الناس باللغة العربية وأساليبها ، وإلى فساد ذوقهم من غلبة العجمة عليهم ، ومعروف أن عدم الإدراك لشئ ، لا ينهض دليلا على عدم ذلك الشيء . ونظير ذلك أن عدم علمنا بلغة من اللغات الأجنبية مثلا ، لا يلزم منه أن ننكر أن فلانا متفوق في تلك اللغة بشهادة الأخصّائيين فيها والحاذقين لها ، بل نحن نؤمن بوجود لغات لا نعرف منها شيئا ، كما نؤمن بوجود نابغين فيها لا نعرفهم ولا نعرف من وجوه نبوغهم شيئا ، اللهم إلا عن طريق سماعنا لذلك من مصادر نثق بها . كذلكم القرآن الكريم ، قد شهد الفنّيّون والأخصّائيون من حذّاق اللغة العربية ، في أزهى عصور التوفر عليها والتمهّر فيها ، أنه كتاب فاق الكتب ، وكلام بزّ سائر ضروب الكلام ، وبلغ في سموه وتفوقه حدود الإعجاز والإفحام ، من ناحية الفصاحة والبلاغة وما يحمل لهما من أسرار ! . ثم نقل إلينا ذلك كله نقلا متواترا قاطعا لا ظلّ فيه للشك والنكران . فلما ذا لا نقبل هذا الحكم العادل ، ومصادره كثيرة محترمة كل الاحترام ؟ ! أليس ذلك تعصبا وعنادا ، على حين أن الباب كان ولا يزال مفتوحا أمام كل من يحذق علوم اللغة العربية وأساليبها ، أن يتذوّق أسرار البلاغة والإعجاز في هذا القرآن ، وأن يحكم هو نفسه بما حكم به الآلاف المؤلفة في كل زمان ومكان ! وإذا لم تر الهلال فسلّم * لأناس رأوه بالأبصار على أن لإعجاز القرآن ميدانا آخر فاطلبه إن شئت . « واللّه المستعان » . ( الشبهة العاشرة ) يقولون : إن إعجاز القرآن للعرب لا يدلّ على أن القرآن كلام اللّه . بل هو كلام محمد نسبه إلى ربه ليستمدّ قدسيّته من هذه النسبة . وإعجازه